جريمة و عقاب

أنشأ “جونز تاون” وقضى على سكانها في ليلة بيضاء.. قصة مقتل جيم جونز مؤسس “معبد الشعوب”

جيم جونز قس أمريكي يمتاز بالجاذبية وقوة الشخصية، وذو قدرات خارقة في التأثير على عقول الآخرين، أسس مذهب “معبد الشعوب” منذ نحو نصف قرن، عُرف منذ طفولته بالذكاء، لكن تصرفاته كانت غريبة بعض الشيء، كما كان يصفه البعض، فكان ينجذب بطريقة غير مسبوقة للدين على اختلاف أقرانه، خاصة تقاليد الدين المسيحية مثل طائفة الخمسينية.

اكتسب شهرة كبيرة في الوعظ منذ صغره، وكان من المؤيدين المتحمسين للمسألة العرقية، على الرغم من أنه أمر غير مألوف في ذلك الوقت، فكان لتكوين شخصية جونز أثر كبير في جذب العديد من المؤيدين والمتحمسين للعدالة الاجتماعية المتطرفة، وبذلك أطلق على كنيسته الناشئة اسم “معبد الشعوب”.

كان مذهب معبد الشعوب يؤيد الاشتراكية والعيش الاجتماعي، وكان يطبق الاندماج العرقي إلى درجة كبيرة، مقارنة بأحزاب ذلك الوقت،، أسس كنيسة ومجتمعاً خاصاً، وهرباً من المنافسة فرض طقوس الليلة البيضاء على سكانها.

ذكره الصحفي تيم ريترمان في كتابه، واصفاً بأن الكثيرين منهم كانوا أناساً محترمين مجتهدين في عملهم، ذوي وعي اجتماعي، وبعضهم كانوا مثقفين جداً، مضيفاً أنهم “أرادوا مساعدة إخوانهم البشر وخدمة الرب، وليس عبادة شخص نصّب نفسه إلهاً على الأرض”. وعلى الرغم من ذلك تم تصويرهم على أنهم شخصيات شريرة.

وعندما بلغ جونز الثلاثين من عمره، وصف نفسه بأنه يجسد شخصيات مثل بوذا والمسيح، وذلك بعد طرح العديد من العبارات المسيحية، وبعدها أمر بنقل معبد الشعوب إلى كاليفورنيا، وابتعد على تعاليم الدين المسيحي الحقيقية.

وادعى أن هدفه الدائم هو الشيوعية، وفي تحريف بسيط لمقولة أن الدين هو “أفيون الشعوب”، كان الدين مجرد وسيلة له لجعل الماركسية أكثر قبولاً.

ووفقاً لما ذكره الصحفي الأمريكي ديفيد تالبوت في موقع Salon الأمريكي، فإن أحد أسباب نجاح مذهب معبد الشعوب أنه كان مفيداً على الصعيد السياسي، إذ قال تالبوت: “كان يمكن الاعتماد على جونز لإيصال حافلات مليئة بأتباع مطيعين ومهندمين، إلى مظاهرات وحملات انتخابية ومناطق سياسية”.

ومع ذلك، كانت هناك علامات بالفعل على وجود تيار شرير كامن في مذهب معبد الشعوب، إذ كان يطلب من أتباع المذهب تكريس أنفسهم تماماً لمشروع الكنيسة الطوباوي، فكانوا يسلمون ثرواتهم الشخصية، ويعملون ساعات طويلة بلا أجر لحساب الكنيسة، وكثيراً ما كانوا يقطعون الاتصال بعائلاتهم.

وكان يطلب منهم كذلك تربية أطفالهم داخل صفوف أتباع المذهب. وبحجة إظهار الالتزام، كان يطلب منهم التوقيع على شهادات زائفة بأنهم تحرشوا بأطفالهم، وقد احتفظت بها الكنيسة لابتزازهم عند الحاجة.

وبحلول السبعينيات من القرن العشرين، اكتسبت طائفة معبد الشعوب – تتخذ الآن من سان فرانسيسكو مقراً لها – نفوذاً سياسياً كبيراً. إذ أدى دفاع القس الأمريكي جيم جونز الشرس عن المضطهدين، إلى إعجاب بعض الرموز اليسارية مثل أنجيلا ديفيس وهارفي ميلك به، وأكسبه دعم جماعاتٍ مثل “الفهود السود” وقد كان ذلك تقارباً سياسياً.

كنيسة جيم جونز:

كان القس الأميركي يعتقد بأن الولايات المتحدة مهددة بمحرقة نووية، فبحث عن مكان حيث تكون كنيسته “آمنة” أثناء حدث مهلك.

وفي عام 1977، نقلت كنيسة معبد الشعوب مقرها إلى منطقة نائية في أدغال غيانا. وقال جونز إنهم قادرون هنا على بناء مجتمع طوباوي دون تدخل حكومي أو إعلامي.

وبدأ السكان في تحويل الغابة الكثيفة إلى مجتمع زراعي عامل، سرعان ما عرِف باسم “جونز تاون”، وكانت الكنيسة تنقل خواطره الفردية إلى أفراد التجمع بمكبر صوت أثناء عملهم. وفي المساء كانوا يحضرون دروس تبشير إلزامية. وكانت أوامر جونز تُنفذ على يد حراس مسلحين يحملون اسم Red Brigade أو “اللواء الأحمر”.

لم يكن هناك سبب يدفع جونز تاون إلى توقع أي تدخل من غيانا، التي كانت “جمهوريةً تعاونية” تحت قيادة حكومة تتجاهل بسرور علامات العبادة الاستبدادية والمصابة بجنون الشك.

ومع ذلك، ففي الولايات المتحدة، كان آباء أفراد جونز تاون – الذين كانوا يشعرون بالقلق إزاء الخطابات الغريبة التي كانوا يتلقونها من أبنائهم، أو عدم وصول أي خطابات إليهم – يضغطون على الحكومة الأمريكية للتحقيق في الأمر.

وبعدما فازت أسرة في الولايات المتحدة بأمر حضانة أحد أطفال جونز تاون، تصاعدت حالة من الجنون، وأصبح مجتمع الكنيسة معسكراً مسلحاً يحيطه متطوعون مدججون ببنادق وسواطير، مهددين بمحاربة الغرباء حتى الموت.

وأثناء هذا الحصار تحدث هيوي نيوتن، أحد مؤسسي حركة الفهود السود، وأنجيلا ديفيس إلى سكان جونز تاون عبر جهاز لاسلكي للتعبير عن تضامنهما معهم.

جيم جونز والليلة البيضاء:

قالت أنجيلا لهم آنذاك إنهم في طليعة الثورة، وأنهم محقون في مقاومة “المؤامرة العميقة” ضدهم، على حد قولها، وفي تلك الفترة، بدأ سكان جونز تاون إجراء تدريباتٍ تدعى “الليالي البيضاء”، كانوا يتدربون فيها على الانتحار الجماعي.

وبناء على طلب من أفراد عائلاتهم في الولايات المتحدة، نظم عضو الكونغرس الأميركي ليو رايان وفداً من الصحافيين وأشخاص آخرين، للذهاب إلى  جونز تاون من أجل تقصي الحقائق.

وبالفعل وصل الوفد إلى جونز تاون وتلقى استقبالاً لطيفاً من القس الأميركي جيم جونز، لكن الزيارة سرعان ما انتهت في اليوم التالي، بعدما حاول أحد أعضاء مجتمع الكنيسة طعن رايان.

فعاد الوفد إلى المطار بصحبة 12 شخصاً من السكان طلبوا مغادرة مجتمع الكنيسة، ورافقهم بعض نواب جونز اليقظين.

لكن أعضاء الوفد لم يغادروا المنطقة، فبينما كانوا يستقلون الطائرات، أطلق مرافقوهم النيران عليهم فأردوا رايان قتيلاً، وأطلقوا على جثته الرصاص لضمان موته، وقتلوا أربعة آخرين، من بينهم اثنان من المصورين صورا الهجوم قبل مقتلهما.ثم ركض الناجون الجرحى أو جروا أنفسهم إلى الغابة وهم ينزفون.

وفي جونز تاون، أعلن القس جيم أن الوقت قد حان لأداء “الليلة البيضاء” الأخيرة لقمع المعارضة، قال للسكان إن رايان قتِل بالفعل، مما ينذر بهلاكهم ويجعل “الانتحار الثوري”هو النتيجة الوحيدة الممكنة.

فاصطف أفراد جونز تاون ـ بعضهم متقبل للوضع بهدوء، وآخرون مرغمون ـ في طوابير لتناول عصير الفاكهة ممزوج بالسيانيد ومحاقن. وقد سُمم الأطفال حتى وصل عددهم 300 طفل، وعندما وصلت قوات غيانا إلى جونز تاون في صباح اليوم التالي، اكتشفت مشهداً فظيعاً مليئاً بالجثث، وظهرت قلة من الناجين، معظمهم أشخاص اختبأوا أثناء التسميم.

واستيقظت امرأة عجوز، كانت نائمة طوال هذه المحنة، لتكتشف أن الجميع قد ماتوا، وعُثر على جثة جونز مصابة بطلق ناري

 

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق