قصص

فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء.. حسن فتحي أول مصري يفوز بجائزة عالمية في الهندسة

حسن فتحي أحد أشهر مهندسي مصر المعماريين، ذو أفكار بعيدة المدى، وهو أحد المهندسين القلائل الذين اكتسبوا شهرتهم بعيداً عن الهياكل البراقة والمعقدة، بل من خلال تصاميم بسيطة وفعالة وقليلة التكلفةِ.

كان مهتماً بتحسين مستوى معيشة الفئات المتوسطة أو محدودة الدخل، وقد استخدم الطين والطوب لبناء وحدات سكنية على النقيضِ من الخرسانة الحديثة والفولاذ، ولم يكن ذلك جيداً من ناحية التكلفة فقط،فلسفة حسن فتحي بل استطاع تسليط الضوء على واحدة من الأفكار الرئيسية التي كان الناس في الماضي يعتمدونها لبناء أفضل الأبنية.

عمل على إنشاء وحدات سكنية فردية ضخمة بتكلفة معقولة ومناسبة للطبقات الفقيرة من الناس، ومن ميزات عمله أيضاً خلق تصاميم تراعي العوامل الجوية وغضب الطبيعة، فعلى سبيل المثال.. صمم أفنية تعتمد على التبريد السلبي من خلال التركيز على اتجاه الرياح الشمالية الغربية، وقد كانت أفكاره تناقض أفكار بقية المهندسين بشكل كبير، إلا أنها الآن تحظى باحترام كبير.

 

وُلد فتحي في 23 مارس عام 1900 في مدينة الأسكندرية المصرية، وينحدر من عائلة غنية جداً، وقد كان مولعاً بالرسم منذ طفولته.

حسن فتحي

انتقلت أسرته عام 1908 إلى القاهرة، وهناك تم قبوله في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حالياً) لدراسة الهندسة المعمارية، تخرج فيها عام 1926، وعُين مهندساً في الإدارة العامة للمدارس.

حسن فتحي و إنجازاته:

عمل بين عامي 1930 و 1946 أستاذاً في كلية الفنون الجميلة، وشيّد مدرسة في طلخا، وفي 1946 استأجرته إدارة الآثار المصرية لبناء قرية غورنا، التي بنيت بهدف توطين لصوص القبور الذين استقروا في وادي الملوك ووداي الملكات، واستخدم في ذلك الطوب والطين العادي للبناء بمساعدة القرويين، إذ جندهم لبناء منازلهم المستقبلية. وقد حقق عمله نجاحاً باهراً نتيجة الرضا عن جودة المباني وتكلفتها.

بعدها بثلاث سنوات عُين مدير إدارة المباني التعليمية التابعة لوزارة التعليم، وهناك سلط الضوء على الاختلاف بين أسلوبه المعماري والاتجاهات الحديثة.

أصبح رئيس قسم العمارة في كلية الفنون الجميلة عام 1953، وخلال هذه الفترة أنجز العديد من المشاريع، بما فيها مدرسة فارس، وفيلا محمد موسى، وقرية الحرانية للنسيج والتي تعرف بإمبراطورية النسيج في مصر.

غادر مصر عام 1959 مؤقتاً، وعمل لصالح منظمة دوكسياديس في اليونان، كما عمل على العديد من المشاريع في العراق وباكستان.

عاد إليها بعد أربع سنوات،فكر المعماري حسن فتحي حيث بدأ عمله يشمل الاستشارات العامة، وكانت مهمته الأساسية تنطوي على تعزيز الأفكار البسيطة، والابتعاد عن التكلف في العمارة.

نشر في 1969 كتاب العمارة للفقراء، يصف فيه تجاربه في بناء قرية غورنا، وسلّط فيه الضوء على وجهة نظره المعمارية المتناقضة، وبرهن على فعالية البناء باستخدام الطوب الطيني بدلاً من الخرسانة الحديثة.

في 1976 شارك في مؤتمر الموئل التابع للولايات المتحدة والذي عُقد في كندا. وقد أصبح أحد أعضاء اللجنة الخاصة بجائزة آغا خان للهندسة المعمارية، وشغل عدة مناصب حكومية في القاهرة إلى أن توفي.

حازت تصاميمه إشادة دولية، وظهر في العديد من المجلات المهنية والأسبوعية البريطانية. كما أشاد به العديد من المهندسين الإسبان والفرنسيين والهولنديين.

في عام 1980 مُنح جائزة بالزان الدولية لإنجازاته في مجال الهندسة المعمارية، إذ تمنح هذه الجائزة عموماً للأفكار المبتكرة التي تروج للعلوم الإنسانية والطبيعية ومساعي السلام.

كما مُنح في العام ذاته جائزة رايت ليفيلهوود المعروفة بجائزة نوبل البديلة، وتمنح هذه الجائزة لدعم أولئك الذين يبدو أن لديهم أجوبة على تحديات العصر، وكان هو أول من تسلم هذه الجائزة.

تزوج حسن فتحي من محبوبته عزيزة حسنين، وعلى الرغم من أنهما لم يرزقا بأطفال، إلا أن أبناء أخيه كانوا حريصين على الحفاظ على إرث عمهم المعماري والإسلامي.. وتوفي في منزله عن عمر ناهز 89 عاماً.

قصة بناء القرنة الجديدة:

بدأ المهندس المعماري حسن فتحي العمل في تصميم قرية القرنة الجديدة في أغسطس عام 1945م، وكانت لهذه القرية شهرة عالمية بسبب كتابه عمارة الفقراء، الذي يسرد فيه قصة بنائها. وأنشئت القرية لاستيعاب حوالي 7000 من المهجرين من مناطق المقابر الفرعونية بالبر الغربي لإنقاذها من السرقات والتعديات عليها،  وخصوصاً بعد أن اكتشف المختصون وعلماء الآثار سرقة نقش صخري بالكامل من أحد القبور الملكية.

فصدر قرار بتهجيرهم من المقابر وإقامة مساكن بديلة لهم. وخصّصت الدولة ميزانية محدودة لبناء القرية الجديدة، تم اختيار الموقع ليكون بعيداً عن المناطق الأثرية وقريباً من السكك الحديدية والأراضي الزراعية علي مساحة 50 فداناً تم شراء الفدان بمبلغ 300 جنيه مصري.

بدأ حسن فتحي مشروع بناء القرية عام 1946 بمجاورات سكنية يفصل بينها شوارع عريضة، لتكون محاور لحركة المرور الرئيسية، بينما الشوارع بداخل المجاورة ضيقة ومتعرجة لتوفير الظلال والأفة بين السكان واستخدام الشوارع من سكان المجاورة فقط، فقد جعل لكل قبيلة مجاورة خاصة بها.

فلم يحاول تغيير عاداتهم، ولكنه احترم الثقافة المحلية وتقاليدهم القبلية، واعتمد في تصميم المنازل على الخامات والمواد المحلية (الطوب اللبن)، واستخدم تكنيك بناء متوافق مع البيئة، فبرغم المناخ الحار المنازل جيدة التهوية وتوفر الراحة للإنسان دون الحاجة لوسائل صناعية مثل المراوح والتكييفات، بالإضافة لتوفير الطاقة.

وظهر تأثر حسن فتحي بالعمارة الإسلامية والمحلية النوبية، فكانت للقباب تصميمها الفريد، والتي استخدمت بدلاً من الأسقف التي تعتمد على الألواح الخشبية أو الخرسانة المسلحة.

وكانت تكلفة بناء المنزل حوالي 250 جنيهاً مصرياً، وهي تكلفة قليلة جداً، فقد تكلف منزل بنفس المساحة والارتفاع باستخدام الخرسانة المسلحة تم بناؤه بمعرفة مركز بحوث البناء بمبلغ 1000جنيه مصري، تم فصل الحركة بين الإنسان والحيوان، وتخصيص باب إضافي في المنازل للماشية التي يقتنيها سكان المنطقة، كنوع من أنواع العزل الصحي حفاظاً على سلامة الأفراد.

تم تصميم مدرستين بالقرية، الأولى للبنين والثانية للبنات. تكلفة المدرسة 6000 جنيه مصري، وهي تكلفة قليلة للغاية بالمقارنة بالتكلفة المتوقعة لاستخدام الأخشاب أو الخرسانة المسلحة التي تقدر بحوالي 25000 جنيه مصري. ومثلما اهتم فتحي بالجانب التعليمي، لم يغفل الجانب الديني الذي يميز أهل مصر، أو الجانب الترفيهي لتعويضهم عن منازلهم التي تم تهجيرهم منها عنوة ، حيث عمل فتحي على إنشاء مسجد كبير في مدخل القرية حمل أجمل التفاصيل المعمارية في تصميمه، حيث تأثر فيه بالفن المعماري الطولوني ممتزجاً مع الفن الإسلامي في العهد الفاطمي.

وفيما يخص الجانب الترفيهي أنشأ قصر ثقافة حمل اسمه، ومسرحاً مكشوفاً، إلى جانب بحيرة صناعية ذات تصميم فريد تكافح انتشار مرض البلهارسيا، بالإضافة لبناء خان للقرية وسوق ومركز حرفي ومعرض منتجات القرية.

تم هدم أكثر من 80% من مباني قرية القرنة الجديدة بالأقصر، واغلب المباني بالصور لم يعد لها وجود، لكنه توثيق لما كانت عليه القرية حتى عهد قريب، نتمنى عودة القرية كما كانت بكل تفاصيلها.

فيديو مقترح:

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق